كيف هربت فاتن حمامة من مصر
و ما سر لقاء أم كلثوم معها في باريس
عندما كانت أم كلثوم تغني لدعم المجهود الحربي في مسرح اولمبيا باريس في الحفل الثاني في 15نوفمبر1967 بعد أشهر قليلة من نكسة يونيو فوجئت بالفنانة فاتن حمامة بين الحضور .
وفي فترة الاستراحة طلبت من نجل شقيقتها محمد الدسوقي وكيل وزارة الثقافة آنذاك أن يأتي بفاتن للقائها بعد نهاية الحفل حتي لو اضطر أن يحملها عنوة .
كانت فاتن قد غادرت القاهرة قبل عامين هربا من مطاردات رجال صلاح نصر الذين حاولوا تجنيدها للعمل مع جهاز المخابرات فقررت الخروج من مصر هربا من تلك المطاردات.
ولكن كيف خرجت فاتن في ظل الحصار الكبير المفروض وقتها علي الخروج والدخول من والي مصر؟
نعود الي عام وبضعة اشهر مضت وفي أحد أيام يوليو 1966كان سعد الدين وهبة رئيسا لمجلس إدارة الشركة العامة للانتاج السينمائي العربي ( فيلمنتاح ) عندما دق تليفون منزله كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحا ، رفع سعد سماعة التليفون ليأتيه صوت سمير مصلح مدير مكتب السيد زكريا محيي الدين رئيس مجلس الوزراء ،وبعد تبادل التحية قال سمير :السيد رئيس الوزراء عايز يشوفك .
انتهت المكالمة ولم ينقطع تفكير سعد الدين وهبة فيما يريد منه رئيس الوزراء.
وفي الموعد المحدد كان يدخل حجرة مكتبه الواسعة في مبني الحكومة المركزية - كما كان يسمي - وهو نفسه مقر رئاسة الجمهورية الآن .
دلف سعد من الباب ،وقبل أن يبلغ مكتب السيد زكريا الذي كان يقبع خلف مكتبه .
- انت فين ياسي سعد ؟ ..انت بتعمل ايه في السينما ؟ امال احنا موديينك هناك ليه ؟
نزلت عليه هذه الكلمات نزول الصاعقة ، وكان قد بلغ حافة المكتب ووقف الرجل يصافحه ، وجلس أمامه وهو بائعي سبب هذا السيل المتدفق من التوبيخ المبطن بشيء من الحنان .
هدا صوت السيد زكريا محيي الدين بعض الشيء ولملم سعد الدين وهبة نفسه ونظر إليه ، فخفض من صوته بعض الشيء ولكن نبرة الغضب كانت لاتزال واضحة ، وسأله : ايه حكاية فاتن حمامة !؟
لم يستوعب سعد الدين وهبة معني للسؤال ،ونظر إليه في دهشة ..وسأله بصدق ينطق به صوته المتهدج : مالها يافندم فاتن حمامة ؟!
وزادت عصبيته وعاد يسأل :سابت البلد ليه ؟
واجابه :مااعرفش يافندم هي قالت إنها راجعة بس مارجعتش
وعاد يسأل :زعلت ها في حاجة ؟
ورد سعد : ابدا يافندم دي حتي ليلة ماسافرت كنت عندها في البيت بعد نص الليل ، ومضيتها علي عقد جديد واديتها عربون ثلاثة آلاف جنيه وماشية مبسوطة جدا.
وسأله عقد ايه ؟ وعربون ايه ؟
وروي له ماحدث ،وفعلا كان يلح علي الفنانة فاتن حمامة أن تقوم ببطولة فيلم لحساب شركة ( فيلمنتاج) فاختارت ٣قصص للكاتب احسان عبد القدوس وتم إعداد العقد وكانت تستعد للسفر وأعطته أكثر من موعد ثم اعتذرت واخيرا اتفقا أن يذهب لها في منزلها ، ولم يكن من عادته زيارة بيوت الفنانين مهما كانت الأسباب -هكذا قال له - إلا أن علاقة خاصة ربطته عندما التقي بشقيقها محمد في أكتوبر 1947حيث تزاملا معا في كلية البوليس ، ثم قابلها بعد ذلك عندما كتب لها سيناريو فيلم ( الحرام )
لم تكن هذه هي الزيارة الأولي لها في منزلها ،ربما كانت الأولي بعد أن أصبح رئيسا لشركة (فيلمنتاج ) .
المهم انها وقعت العقود واستلمت العربون ، ثم ودعها علي أن تعود بعد شهر، وكانت في طريقها الي اسبانيا لزيارة حماتهاوحماها السابقين والدة ووالد عمر الشريف وكان زوجا لها في تلك الأيام .
وبعد سفرها بشهر فوجئي سعد الدين وهبة بالسيد ( اسماعيل المليحي ) زوج شقيقتها يزوره في مكتبه ويقدم له خطابا اتضح أنها كتبته ليلة زيارته لها ،وبعد أن غادر منزلها وقبل سفرها ووضعت معه شيك العربون وسلمته لزوج شقيقتها وطلبت منه أن يسلمه الخطاب بعد شهر من سفرها ، وفي الخطاب اعتذار أنها لاتنوي العودة في وقت قريب ..وتسلم سعد الدين وهبة الشيك واودعه في خزانة الشركة وانتهي الأمر أو هكذا تخيل عندهذا الحد .
روي سعد الدين وهبة كل هذا للسيد زكريا محيي الدين وهو يعتقد أنه برأ نفسه تماما من أن يكون سببا أو أحد أسباب مغادرة فاتن حمامة لمصر.
إلا أن السيد زكريا رد عليه بأن الرئيس جمال عبد الناصر زعلان جدا وأنه تحدث إليه قبل وصول سعد مرتين
- وسأله سعد :عن ايه يافندم ؟
قال زكريا :الرئيس قرأ في جريدة عربية أن فاتن في بيروت وهاتعمل فيلم مع يوسف شاهين .
لم يرد سعد فقدكان يسمع هذا الخبر لأول مرة .
وعاد زكريا يقول له : يوسف شاهين اشطر منك
ورد سعد ازاي يافندم ؟
وعاد زكريا يتحدث بلهجة قاطعة :
اسمع الرئيس بيقول لك ( فاتن حمامة دي ثروة قومية ) ومادامت ثروة قومية يبقي لازم تكون في مصر ، وعاوزك تعمل اي طريقة عشان ترجعها ،تسافر انت ، تسفر حد ، تعمل أي حاجة .. هو عايز يسمع أن فاتن حمامة رجعت مصر
واذا كانت زعلانة من أي حاجة قل لها اللي هي عايزاه هايتعمل والرئيس أمر بتنفيذه
وقال سعد : يافندم لوكانت عايزه حاجة كانت قالت
وعاد زكريا يقول : اسمع الكلام كويس انت مسؤول عن رجوع فاتن حمامة لمصر ... فاهم !
ورد سعد وهو لايعي ماذا يفعل ولا ماذا يمكن ان يفعل ؟
ورد قائلا : حاضر .
شعر سعد أن المقابلة قد انتهت وبدأ يستحمع شتات نفسه ليستأذن في الانصراف لولا رنين التليفون ورفع رئيس الوزراء السماعة وسمعه يتحدث
:صباح النور يافندم .. ايوه عندي .. قاعد قدامي ..سامع ياسعد الرئيس بيقول لك فاتن حمامة ثروة قومية ولازم ترجع مصر .
وعاد يقول :خلاص يافندم هو حايسافر بيروت ..المهم حا تصرف وحا ابقي ابلغ سيادتك مع أي تطورات ..مع السلامة يافندم
وضع زكريا السماعة مخاطبا سعد: سامع ؟!
ورد سعد وهو مغلوب علي أمره : ايوه يافندم سمعت .
خرج سعد الدين وهبة من مكتب رئيس الوزراء وهو لايكاد يري الطريق .. وجلس وحده يفكر في خطاب فاتن له والذي يقطع أنها لن تعود ..وهو لايعرف لماذا ..
اتصل سعد الدين وهبة بالمنتج رمسيس نجيب وكان من اقرب الناس الي قلبه ،جاء رمسيس لم يحدثه في التفاصيل وان قال له المطلوب أن تعود فاتن حمامه الي مصر،وطلب منه أن يسافرا معا من اجل إعادتها
استمهله رمسيس حتي يتصل بمن هم علي صلة وثيقة بها ليستطلع الأمر قبل التورط في السفر ثم يعودا بخفي حنين .
وعاد رمسيس ليؤكد له أن قرارها لا رجعة فيه ،وأنها لن تعود علي الاقل في هذه الأيام ،خاصة وهي تساعد لتصوير فيلم( رمال من ذهب) اخراج يوسف شاهين بعد أيام .
اتصل سعد الدين وهبة بالسيد زكريا محيي الدينرئيس الوزراء وأبلغه أن فاتن بدأت تصوير فيلمها مع يوسف شاهين ،ووعده أن يسافر لاحضارها بعد انتهاء تصوير الفيلم ،وعندما انتهي تصوير الفيلم كان السيد زكريا محيي الدين قد ترك رئاسة مجلس الوزراء ،وبعد بضعة أشهر كان سعد الدين وهبة قد غادر مؤسسة السينما بعد أشهر أخري كانت نكسة يونيو 1967قد وقعت ،ولم تعد فاتن الي مصر الابعد وفاة جمال عبد الناصر.
نعود الي لقاء ام كلثوم و فاتن حمامة حيث جلسنا بعد انتهاء الحفل وحكت فاتن موضوع مطاردات صلاح نصر ورجاله ورغم أن ام كلثوم حاولت طمانتها وأنها سوف تكون في امان في مصر وأن عبد الناصر يضمن حمايتها إلا أنها أكدت عدم قدرتها علي العودة في هذه الظروف.
من مذكرات سعد الدين وهبة
(أيام فى حياتي )
تحقيق وتقديم الأمير أباظة
اصدارات المجلس الأعلى للثقافة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكرا لك على تعليقك في الموقع الرسمي للشاعر و الكاتب المصري د.عبدالغنى مصطفي عبدالغني (رحمه الله)