محاكمة قُبلة
![]() |
| الكاتبة المغربية رشيدة محداد |
يكاد رأسها يتحوّل لمدخنة مخنوقة، تختزن وصايا والدتها، كخشب متراصّ مدخّر لفصل يرتاح فيه حطّاب الغابة البعيدة.
وجنتاها جمرتان متوهّجتان، تشي بحياء يلجم لسانها، كلما صافحها ضيف، سألها عن اسمها، أو عن سنّها...تعدّل من فستانها وهي تجذبه نحو ركبتيها، تداعب خيوطه بسبّابتها وإبهامها، وكأنها ترجوه الكفّ عن السؤال، وملأ فمه بتلك الحلوى التي لولا وصايا والدتها، لأفرغت نصف الطبق في طرف ثوبها، وتذوقت تلك المحشوّة بالسوائل الملوّنة الحمراء، المرشوشة بالسمسم...وتلك الحلزونية الشكل، التي حيٍرتها كيفية تشكيلها فكانت تقرفص على بلاط غرفتها الصغيرة، تفرد العجين الملوّن فوق لوحها المدرسي، تقلّد والدتها في التشكيل، فلا تفلح يداها الرخوتين..فتكورها وتعيد فردها لأرقام وحروف مقلوبة، وأخرى لا تصنّف لأي لغة، أو أرقام !
كان "جواد" يستمع ولا يستمتع بمحاولات أخته "منال" الإبداعية في الكتابة، ناصحا إياها بالعزوف عن مجال لا صلة لها به لا من قريب أو بعيد، وينصرف وقد دسّ في جيبه ورقتين من فئة المئتي درهما، ساحبا إياها من جارور والده، متّجها إلى ملعب الكرة، لتشجيع فريقه المفضّل.
ماذا لو غيّرت منال فكرة هذه القصة إلى قصّتها الحقيقية، يوم التقت فتاها بمحل الأحذية، يقف محتارا أمام زجاج العرض، يحاول اقتناء حذاء بمقاس طفلة صغيرة..فعرضت عليه المساعدة، ليعرض عليها بدوره كأسا يتقاسمان فيه حديثا لم يخل من شبق و تلميح لإعجاب صارخ ! تغيٍرت فيه سحنتهما و اتخذ فيه ذاك القابع تحت سرواله أشكالا هندسية من امتداد و انتفاخ، كاد يجعله وجهة توحّد أنظار رواد المقهى إلى خرقته التي فشلت في إبقاءه ساكنا هدوءه يليق بفتى معظم حديثه عن فريق برشلونة والريال..
تتذكر كيف سحبها من يدها خارج المقهى.......و....
أتليق هذه المقدمة الشبقيّة لقصة تنسبها لبطلة غيرها..؟
تمة أشياء لا نجرؤ على البوح بها، حتى بمذكراتنا اليومية، أو لأصدقائنا المقربين....
وتلك القبلة التي حطت بشفتيها، كنحلة هادئة تمتص رحيق الكاميليا، فتصنع من أوراقها فستانا ترفل فيه عروسا للحظة امتدت قرابة الخمس دقائق، دوختها ورفعتها أمتارا عن البلاط الإسمنتي الأسود، فصنعت منها بطلة لفيلم قصير، نجومه رصّعت السماء، بليل استوقفه الحظ، فكانت النهاية في قسم الشرطة، أمام ظابط يحملق فيهما بشرارة تدينهما، تتعلم أمامه منال كيف تفرد العجين على لوح قضاء يوصمها عارا لتشكل اسمها، واسم ابيها، وما تفعله في ذاك الشارع ذي المصابيح المكسورة...تُهمتها حبّ متسكّع، قد يعاد تشكيله بنفس العجين.
الكاتبة المغربية
رشيدة محداد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكرا لك على تعليقك في الموقع الرسمي للشاعر و الكاتب المصري د.عبدالغنى مصطفي عبدالغني (رحمه الله)